أبي حيان الأندلسي

678

تفسير النهر الماد من البحر المحيط

أي جانبوا أهل الشرك واطلبوا أهل الإيمان ولما أخبر تعالى بسعة أرضه وكان ذلك إشارة إلى الهجرة وأمر بعبادته فكان قد يتوهم متوهم أنه إذا خرج من أرضه التي نشأ فيها لأجل من حلها من أهل الكفر إلى دار الإسلام لا يستقيم له فيها ما كان يستقيم له في أرضه فربما أدى ذلك إلى هلاكه أخبر أن كل نفس لها أجل تبلغه وتموت في أي مكان حل وأن رجوع الجميع إلى جزائه يوم القيامة وقرىء : لَنُبَوِّئَنَّهُمْ من المباءة وهي المرجع والمعنى لنجعلن لهم مكان مباءة أي مرجعا يأوون إليه . غُرَفاً أي علالي وقرىء : لنثوينهم من ثوى أي أقام وهو فعل لازم فدخلت عليه همزة التعدية فصار يتعدى إلى واحد وقرأ مشددا عدي بالتضعيف فانتصب غرفا اما على اسقاط حرف الجر أي في غرف ثم اتسع فحذف واما على تضمين الفعل معنى التبوئة فتعدى إلى اثنين أو شبه الظرف الكائن المختص بالمبهم فوصل إليه الفعل . الَّذِينَ صَبَرُوا أي على مفارقة أوطانهم والهجرة . وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ هذان جماع الخير كله الصبر وتفويض الأمور إلى اللّه تعالى ولما أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بمكة بالهجرة خافوا الفقر فقالوا غربة في بلد لا دار لنا فيه ولا عقار ولا من يطعم فمثل لهم بأكثر الدواب التي تتقوت ولا تدخر ولا تروّي في رزقها ولا تحمل رزقها من الحمل أي لا تعقل ولا تنظر في ادخار ثم قال اللّه يرزقها أي على ضعفها وإياكم أي على قدرتكم على الاكتساب وعلى التحيل في تحصيل المعيشة ومع ذلك فرازقكم هو اللّه تعالى . وَما هذِهِ الإشارة بهذه ازدراء للدنيا وتصغير لأمرها والحيوان والحياة بمعنى واحد وجعلت الدار الآخرة حيوانا على المبالغة بالوصف بالحياة ولما ذكر تعالى أنهم مقرون باللّه تعالى إذ سئلوا من خلق العالم ومن نزل من السماء ماء ذكر أيضا حالة أخرى يرجعون فيها إلى اللّه تعالى ويقرون بأنه هو الفاعل لما يريد وذلك حين ركوب البحر واضطراب أمواجه واختلاف رياحه . إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ جواب للما أي فاجأ التنجية إشراكهم باللّه تعالى أي لم